من أمستردام إلى بغداد: لماذا يبدو مستقبل العراق الرقمي أقرب مما نتصور؟
بقلم أحمد كاظم، رئيس وحدة الاستثمار في "مجموعة كي"

لم يعد الحديث اليوم في كبرى المؤتمرات العالمية المتخصصة بالتكنولوجيا المالية يقتصر على المدفوعات الرقمية، فقد كشفت النقاشات التي شهدها مؤتمر Money20/20 Europe 2026، في أمستردام، عن تحول واضح في أولويات القطاع. إذ أصبح التركيز منصباً على بناء منظومات رقمية مترابطة تتداخل فيها الخدمات المالية مع التجارة، والتعليم، والخدمات الحكومية، والذكاء الاصطناعي، ضمن بنيةٍ واحدة تُعيد تشكيل حركة الحياة اليومية وملامح المنظومة المالية. هذا التحول يفتح أمام الدول الصاعدة فرصاً واسعة لإعادة بناء نماذجها الاقتصادية على أسس أكثر مرونة واتصالاً.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين يقف العراق ضمن هذا التحول العالمي؟
يحمل العراق اليوم مؤشرات إيجابية بوصفه بلداً يمتلك مقومات مهمة للتحول الرقمي، فالمجتمع الشاب في العراق لديه سرعة عالية في التفاعل مع التكنولوجيا، والمؤسسات الحكومية تمضي بخطوات ثابتة نحو التحول الرقمي المتسارع. وهذا ما يمنح العراق فرصة ليس لمواكبة هذا التحول فقط، وإنما لُيشكل نموذجاً حديثاً قادراً على تجاوز الكثير من المراحل التقليدية التي اضطرت اقتصادات دول أخرى إلى المرور بها.
المدفوعات: البداية لا النهاية
تُظهر التجارب العالمية أن المعاملة الرقمية، مهما بدت بسيطة، تمثل بداية واعدة لارتباط مباشر بين المواطن والخدمات التي يعتمد عليها، إذ تختصر وقت المتقاعد، وتفتح أمام التاجر الصغير مجالاً أوسع للنمو، وتمنح الموظف قدرةً أكبر على إدارة نفقاته، وتوفر للمؤسسات الحكومية أدوات أوضح لتقديم خدماتها. وتأتي هذه اللحظات اليومية لتكشف أن التحول الرقمي يبدأ من احتياجات الناس، لا من التكنولوجيا نفسها. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى المدفوعات الرقمية على أنها مجرد غاية، بل هي بوابة إلى اقتصاد أكثر مرونة واتصالاً.
ومنذ تأسيس "مجموعة كي"، لم نأخذ رقمنة عمليات الدفع كهدف، بل ركزنا على إزالة الحواجز التي تعيق وصول الناس إلى الخدمات التي يحتاجونها. وقد بيّنت التجربة أن تمكين المواطن من استلام أمواله رقمياً يشكّل خطوة أولى فقط، إذ تعقبها احتياجات أوسع تشمل وسائل دفع آمنة، وإدارة فعّالة للمدخرات، وتمويلاً مسؤولاً، وقدرةً على المشاركة في التجارة الإلكترونية، والاستفادة من الخدمات الحكومية. ومع كل احتياج جديد يظهر مجال يستدعي تطوير حل إضافي، فتتقدّم البنية الرقمية بوصفها منظومة تتوسع باستمرار لتلبية متطلبات المجتمع.
من شركة مدفوعات إلى منظومة رقمية واسعة
نؤمن في مجموعة "كي" بأن الاقتصاد الرقمي لا يُبنى عبر حلول منفصلة، بل عبر منظومات مترابطة، وانطلاقاً من هذا الإيمان، عملنا على تطوير المجموعة من شركة تركز على البطاقات والمعاملات إلى منظومة تقنية تشمل الخدمات المالية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الرقمية، والتعليم، والإعلام، والخدمات اللوجستية، ورَقمَنَة الخدمات الحكومية. وتتقدّم هذه القطاعات ضمن بنية واحدة تتكامل عناصرها لتسهيل الحياة اليومية في العراق وتعزيز ترابطها.
البنية التحتية أولاً
تخدم المجموعة اليوم نحو 22 مليون حساب، وأصدرت أكثر من 25 مليون بطاقة كي، مع ربط أكثر من 160 ألف تاجر في مختلف أنحاء العراق. والقيمة الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها، بل في كونها تمثل بنية تحتية تمكّن ملايين العراقيين من استلام رواتبهم رقمياً، وتشغيل أعمالهم، والمشاركة في التجارة الإلكترونية، والحصول على خدمات حكومية أكثر سلاسةً وكفاءة. ومع توسُّع هذه المنظومة، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من عملياتنا، سواء في مكافحة الاحتيال والامتثال، أو في تحسين تجربة المتعاملين، أو في دعم اتخاذ القرار.
ولا يمكننا إغفال حقيقة أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فنجاح المنظومات الرقمية يقوم على بيئة تُرسَّخ فيها الثقة عبر حوكمة فعّالة، وأمن سيبراني متين، وحماية دقيقة للبيانات، والتزام تنظيمي واضح. ومع توسّع البنية الرقمية واتساع نطاق استخدامها، تزداد أهمية مسؤولية صون حقوق الأفراد وضمان سلامة المشاريع العاملة ضمنها. وتشكل هذه الأسس قاعدة ضرورية لأي تحول رقمي مستدام، لأنها تمنح المواطن والمؤسسة القدرة على استخدام الخدمات بثقة، وتتيح للتقنيات المبتكرة أن تؤدي دورها الطبيعي في تطوير الاقتصاد.
وعليه، يمكننا القول إن العراق اليوم يمتلك مقومات مهمة التي تعزز مكانته كوجهةً واعدة تتسم بالشفافية والموثوقية والكفاءة للكثير من قادة التكنولوجيا والمستثمرين والشركاء الدوليين.
رواية جديدة عن العراق الرقمي
تُظهر التجارب الدولية أن الاقتصادات المثقلة ببنى تقليدية معقدة تواجه صعوبات كبيرة عند محاولة تحديث أنظمتها. وفي المقابل، يمتلك العراق فرصة مختلفة؛ فغياب بعض الهياكل القديمة يفتح المجال أمام اعتماد نماذج رقمية متقدمة منذ البداية. ويستفيد التاجر من هذا الواقع عبر حلول دفع عبر الهاتف ورمز الاستجابة السريع والتجارة الإلكترونية، بينما يحصل المواطن على خدمات حكومية ضمن رحلة رقمية موحّدة لا تتطلب تكرار البيانات أو التعامل مع عدة جهات. أما رواد الأعمال، فتتيح لهم المنظومة الرقمية الوصول إلى أسواق دولية عبر إطار يجمع المدفوعات والخدمة اللوجستية والامتثال والتجارة الرقمية في مسار واحد متكامل.
ويستند هذا التحول إلى إعادة بناء الإجراءات من جذورها، وفق تصور يضع الإنسان في مركز التصميم، فتغدو الخدمات جزءاً من حركة الحياة اليومية، وتتحول التكنولوجيا إلى بنيةٍ تحتية تمكّن الوصول إلى الفرص وتوسّع نطاقها.
الطموح العراقي يرسم ملامح الواقع الجديد
كثيراً ما ارتبط الحديث الدولي عن العراق بالتحديات السابقة، لكن إلى جانب تلك التحديات، هناك قصة واقعية تستحق أن تُروى: قصةُ جيلٍ واسعٍ من المطورين ورواد الأعمال، شركات تنمو بسرعة، ومؤسسات تتبنى التكنولوجيا بمرونة لافتة. ويقدّم هذا المشهد دليلاً واضحاً على قدرة العراق على تطوير حلول رقمية تنسجم مع احتياجاته وتستجيب لواقع مجتمعه، بما يهيّئ إمكانات تمتد لاحقاً إلى أسواق المنطقة. كما يبرز التحول الرقمي بوصفه مساراً اقتصادياً واجتماعياً واسع الأثر، يفتح آفاقاً جديدة أمام الأجيال القادمة ويعيد تشكيل فرص النمو في البلاد.
ومع تقدم رحلة التحول الرقمي، يصبح معيار النجاح مرتبطاً بقدرة التكنولوجيا على إحداث أثرٍ ملموس في حياة الناس، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز كفاءة المؤسسات العامة، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة. فالمدفوعات كانت بداية قصة "كي"، لكنها تحولت إلى بوابة نحو منظومة أوسع تُزيل فيها التكنولوجيا العوائق، وتصبح فيها الخدمات سلسةً، وتجد فيها الشركات فرصاً للنمو، ويحصل فيها المواطنون على قدر أكبر من الحرية في إدارة حياتهم اليومية.
ومع توسع هذه المنظومة، تتقدم رؤية واضحة: بناء اقتصاد رقمي متصل، يستفيد من الفرص التي يتيحها التحول العالمي، ويعيد تشكيل مستقبل العراق على أسس أكثر مرونة واتصالاً.






